حيدر حب الله

43

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

الاعتبار فإنه يمارس طريقة الاحتياط ، فلا يفتي بل يحتاط وجوباً أو استحباباً ، ولهذا تتخذ الرسائل العملية طابع الكلية والعمومية دون إشارة إلى طبيعة المرحلة . ولنا هنا ملاحظة جزئية ؛ ذلك أن الرسائل العملية تقع في مشكلين هنا ، هي وظاهرة الفتوى عموماً ، وعليها أن توازن حلولها للمشكلين معاً : المشكل الأول : إن الرسالة العملية أو الفتوى لها طرفان : أحدهما المفتي ، وثانيهما المقلِّد ، المسمّى بالعامي عندهم ، ويراد من الفتوى أن يعمل الناس عليها ؛ إذاً فهي على صلة بالواقع العملي مباشرةً ، فكيف لا يمكنها أن تأخذه بعين الاعتبار ، فمثلًا يرى بعض الفقهاء أنّ الحربيّ من الكفار ، ويقصدون به مطلق غير الذمي والمعاهد حتى لو لم يمارس الحرابة فعلًا ، مهدور الدم والمال ، ومعنى ذلك أنه يجوز سرقته - إن صحّ التعبير - بل قتله ، وانطلاقاً من هذه الفتوى التي لا نحاكمها الآن ، لا سلباً ولا إيجاباً ، يرى الفقيه نفسه أن التطبيق الميداني العملي لها - في الغالب - يؤدي إلى مفاسد بحسب طبيعة المرحلة التي نعيشها ، لهذا نجده يتخذ موقفاً بالعنوان الثانوي يميل فيه إلى الحظر ، لكنّ الرسالة العملية تبقى تحكي عن الحكم الأولي عنده ، وهو الرخصة ، فأيّ ضرورة لبيان هذا الحكم الأولي ، والمفروض أنّ الرسالة العملية موصوفة بالعملية ، لا بالعلمية ؟ من هنا ، يفرض هذا الواقع أن تكون الرسائل العملية قد أخذت بعين الاعتبار ليس العنوان الأولي والنتاج البحثي للمسألة فحسب ، بل والعناوين الأخرى الطارئة التي يحقّ للفقيه الإفتاء على أساسها ، لا سيما وأنّ ممارسات الفقهاء - عملياً - تقرّ بالتمييز بين المباحث الفقهية العلمية والفتاوى العملية الميدانية من حيث المبدأ وفق تخريجات فقهية ؛ ولهذا نرى في الفتوى ، أي فيما يسمّيه الناس فتوى ، احتياطاً وجوبياً ، فيما يكون البحث العلمي للفقيه نفسه قد توصّل إلى الرخصة والحلية